السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

30

مختصر الميزان في تفسير القرآن

وفيها من عجيب الالتفات الالتفات من الخطاب إلى الغيبة في قوله : وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ - إلى قوله - بِغَيْرِ الْحَقِّ ولعل النكتة فيه ارجاعهم إلى الغيبة وتوجيه الخطاب إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم ووصف أعجب جزء من هذه القصة الموصوفة له ليسمعه ويتعجب منه ، ويكون فيه مع ذلك اعراض عن الامر بمخاطبتهم لأنهم لا يفقهون القول . قوله تعالى : فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أصل البغي هو الطلب ويكثر استعماله في مورد الظلم لكونه طلبا لحق الغير بالتعدي عليه ويقيّد حينئذ بغير الحق ، ولو كان بمعنى الظلم محضا لكان القيد زائدا . والجملة من تتمة الآية السابقة ، والمجموع اعني قوله : هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ - إلى قوله - بِغَيْرِ الْحَقِّ بمنزلة الشاهد والمثال بالنسبة إلى عموم قوله قبله : « وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ » إلى آخر الآية ، أو لخصوص قوله : قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً وعلى اي حال فقوله : يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ الخ ؛ مما يتوقف عليه تمام الغرض من الكلام في الآية السابقة وان لم يكن من كلام النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم فافهم ذلك . قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ إلى آخر الآية ؛ في الكلام التفات من الغيبة إلى الخطاب فقوله : « يا أَيُّهَا النَّاسُ » الخ ؛ خطاب منه تعالى للناس بلا واسطة ، وليس من كلام النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم مما امره اللّه سبحانه ان يخاطب به الناس . والدليل على ذلك قوله تعالى : ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ إلى آخر الآية ؛ فإنه لا يصلح ان يكون من خطاب النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم . والنكتة في هذا الالتفات هي نظير النكتة التي قدّمنا ذكرها في قوله تعالى في أول الكلام : « إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ » فكأنه سبحانه يفاجئهم بالاطلاع عليهم أثناء ما يخاطبهم النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم وهم يحسبون ان ربهم غائب عنهم غافل عن نيّاتهم ومقاصدهم في اعمالهم